الارض السوداء
سامح شبل
سادت الظلمات في شتى بقاع الأرض السوداء منذ أمد بعيد منذ أن جلس "لوبا " على العرش بعد السيد القديم " اد " صاحب الشمس وسيد القمر ؟؟ لم يدق نورا في المملكة الا في معبد "اد" في قلب الأرض السوداء وللمعبد حارس يلى اخر على مدار العمر الطويل الارض شهدت الكثير من الأحداث والتغيرات.
كانت البداية حيث طعن "اد" في السن واراد ان يمنح احد ولديه الحكم من بعده " ايز" و "لت" عاش "اد " طوال حكمه حكيما عادلا واحب ان تعيش ارضه في النور دائما وإلى الأبد ... ذلك الأمر الذى لم يرض به " لوبا" الذي لم يحيا ابدا الا في الظلام ... كان لا يتحمل النور لذا كان يعرف جيدا كيف يصنع لنفسه بقعة من الظلام ليعيش فيها داخل مملكة النور .. مما جعل " اد" يرسل حراس النور) ويطرده بعيدا في كل مرة يصنع فيها دائرته المظلمة .. كم كان " لوبا " يكره "اد" ويريد بكل ما استطاع ان يقضى عليه وعلى مملكته .. ليصنع مملكته الخاصة التي طالما حلم بها. . . وقد حانت الفرصة الذهبية في رحلة الصيد ... خرج " ايز " و " لا " في رحلة صيد اشترطها السيد القديم والتي يختار بعدها من يخلفه الحكم .. كما اشترط ان تكون الرحلة بغير سلاح ... على اطراف الوادى افترق الأخان كل منهما يبحث عن شئ ما يستحق ان يقدمه للسيد. العظيم ... كانت الحيوانات البرية تركض حرة مما اثار حفيزة " لت " وحاز على انتباهه ووسط جميع الحيوانات البرية ظهر ثور ضخم سلب لب "لت " وكان هدفه الذي يبحث عنه . اقترب " لت " من الثور فركض بعيدا مسرعا وما كان منه الا ان تبع الثور إلى ما بين الجبلين، حيث "لوبا" المطرود بأمر السيد "اد". ساقت " ايز " قدماه الى الأشجار واللون الأخضر الأخاذ الأشجار التي تحمل على فروعها شتى الألوان التي ابهرت "ايز" بطبيعتها وامتزاجها في تناغم يفوق اجمل اللوحات التي تزين جدران القصر .. وكانت الفكرة أن يجعل صيده حصاد الجمال الذى يراه، بين يدى السيد العظيم اجمل واطيب الثمار في لوحة طبيعية .
لم يجد الثور مخرجا من ذلك الركن .. واخذ "لت" يقترب ببطئ .. وبدا أن الثور يستسلم لقدره .. وقبل أن ينقض عليه "لت" ظهر "لوبا " في عبائته السوداء .. ذلك اللون الذي لم يعتد عليه أحد ولم يره من قبل .. فتشتت انتباه "لت" لتعجبه من رؤية ذلك اللون .. فانصرف عن الثور موجها حديثه إلى "لوبا" :
من انت ؟ وما الذي ترتديه ؟
اجابه " لوبا " بطريقة زادت من دهشة "لت " .
انت " لن " ابن " اد" والخليفة المنتظر لهذه المملكة العظيمة
وهنا وجد الثور منفذا للهرب فركض بعيدا تاركا خلفه " لت" ينظر الى " لوبا" وقد بدا عليه الغضب :
لست الخليفة بعد .. وانت الآن اضعت صيدي وفرصتي في أن أكون الخليفة .. ثم كيف لك ان تعلم من اكون ومن سأكون ؟
تحرك " لوبا" محدثا "لت " في ثقة :
انا لست فقط اعرفك ... بل اعرف كل شئ في المملكة فانا قديم بنفس قدم والدك " اد " بل من قبل وجوده .. ثم من قال ان فرصتك قد ضاعت ... الم تنتبه انني قد خاطبتك
بلفظ الخليفة القادم لـ " اد "، ذلك مما اعرفه .. وانا اعرف الكثير .
بدت اللهفة على "لت" وهو يسأل :
كيف تعرف ذلك ؟
لم يجبه "لوبا" وسأله بخيث :
ماذا كنت ستصنع بالثور الوديع ؟
لم يفكر " لت " كثيرا :
كنت سأضحي به واهديه طعاما شهيا لسيدي .. وكنت سأصنع من جلوده كساء له.
ازداد خبث "لوبا " وهو يدور حول " "لت" يحدثه في هدوء :
انت السيد الآن ولا يجب ان يكون هناك سيد سواك .
بدا على "لت " الزهو واثارت كلمات " لوبا " خياله حيث بدأ يتخيل جلوسه على العرش فتابع "لوبا "
كنت ستسلب روحا بريئة وديعة من اجل العرش .. انت لديك قلب قوى اذن .. ماذا ان كنت تستطيع أن تسلب روحا أخرى تضمن لك العرش .. فان روح ثور بريئ لا تضمنه، بل تضعك فقط في مقارنة غير مضمونة النتائج.
شرد "لت" بذهنه فيما يمكن ان يقدمه أخوه "ايز " :
ماذا تعنى ؟
اقترب "لوبا " منه هامسا بصوت اقرب الى الفحيح في اذنه :
لن يكون هناك مجالا للاختيار اذا كان " اد " لديه فقط انت .
انتفض "لت" مصدوما :
اتعنى ان اقتل " ايز " ؟ .. انت مجنون .
مضى "لوبا " مبتعدا في هدوء وهو يخاطب " لت " :
وانت السيد، ومن اجلها كنت ستسلب روح ثور وديع .. هي رحلة صيد لا يراك فيها أحد .. عد بغنيمتك المضمونة.
واختفى بعدها "لوبا " بين الجبلين هناك.. غادر وغادر صيد "لت" ولم يبق بوى "لت" وكلمات "لونا" التي يتردد صداها بين الأحجار
جمع "ايز " ما استطاع من الثمار وجلس تحت شجرة في استرخاء وشعور بالرضا وهو ينظر إلى ما جمعه .. ومن بين الأشجار ظهر "لت " قادما بيد فارغة ... ثم جلس بجوار "ايز" وهو شارد الذهن مما دفع "ايز " ليسأله :
هل انت بخير "لت " ؟ واين صيدك ؟
نظر اليه " لت " ولم يرد .. وانما اخذ يتأمل " ايز " في نفس شروده فتابع " ايز " فرحا :
انظر الى هذه الثمار الطيبة والنادرة ... انها هديتي للسيد العظيم.. اليست رائعة؟
قفزت صورة الثور الى ذهن "لت " في لحظة فراره .. وسرعان ما بدأت تتردد كلمات الغريب " لوبا " .. قطع " ايز" شروده قائلا :
يبدو انك لست بخير ومتعب .. لترتح قليلا ثم ننطلق سويا لنجد لك صيدا يستحق التقديم ... فانت سيد منتظر وعليك أن تقدم ما يليق بك ..
ريد "لت " .
سید منتظر ... انت محق لننعم ببعض النوم والراحة وقريبا سأنال صيدي المنتظر.
نام " ايز " ولم يتم " لت " .. نام " ايز " والى الأبد فقد حظى "لت " بالعرش حيث لم يعد أمام " اد " فرصة الاختيار.
بدأت رحلة العودة الى حيث العرش فردية .. وخليط من المشاعر يعصف بكيان " لت " ما بين الصدمة والوحدة لفقدان رفيق العمر والرحلة والندم والخوف والنصر والضعف والقوة ... كل المشاعر التي تكاد تدفعه الجنون .. هو لا يصدق ما قد حدث ولكنه بالفعل حدث وبيده، وبصدى الكلمات التي تتردد بين الأحجار هناك ما بين الجبلين ... وبخطوات مترددة مبعثرة.
لم يكن " لت " وحيدا في رحلة العودة كما ظن، فقد كان " لوبا " خلفه يتابعه .. وما ان اقترب "لت " من حدائق القصر حتى ظهر " لوبا " في عبائته السوداء مباغتا " لت " :
"لت " اهرب فورا
لم يستوعب "لت " الأمر فرد متسائلا :
اهرب ؟
اجابه "لويا " بقوة يبدو فيها ناصحا :
نعم اهرب .. فقد كلف " اد " احد حراس النور بمتابعتك انت و "ايز" وقد رأى ما فعلت واخبر " اد" ، والجميع في انتظار عودتك الى القصر لكي يقتلونك .. اهرب ...
لم يكن هناك مجالاً للتفكير أو التردد فقد انطلق " لت " الى غير وجهة .. الى اقصى مكان يبعد عن القصر وخارج المملكة بأسرها ان استطاع ... ترك الأرض ولم تتركه الأفكار السوداء بلون عباءة " لوبا " الذي وقف يتابع ابتعاد "لت" وعلى وجهه ابتسامة خبيثة.
كان نوما عميقا لـ " اد " لكنه لم يكن مريحا حيث رأى في نومه " لوبا " يأخذه إلى اطراف الوادي ويدخل به بين الاشجار ليرى كيف سحق " لت " رأس "ايز " بحجر كبير ... فزع " اد " من نومه وانطلق الى خارج غرفته ليحد قائد حراسه يتجه الى غرفته وعلى وجهه الأسى قائلا
سیدی كنت في طريقي لإيفاظك .. هناك ما يجب أن تراه على أبواب القصر
ما كان على ابوب القصر الا جقمان " ايز " التي حملها " لوبا " .. وتركها في خفاء وانصرف . شطر الحزن قلب "اد " المسن الوحيد في مملكة ذاقت طعم الدماء للمرة الأولى ... مضى وقت ليس بالكثير و " اد " منعزلاً في معبده حتى مات هاجرا القصر ؟؟ ذلك الوقت الذي لم يضيعه "لوبا " هباءا فقد طاف المملكة حتى اطرافها البعيدة . ليجمع المنبوذين في الجبال والسهول والوديان وساكنى البحار البعيدة ليقيم جيشا يحمى الظلام ومملكته التي بدأت منذ أن دخل القصر المهجور، صانعا الظلام في كل خطوة يخطوها حتى لم يعد هناك نورا سوى في المعبد الذي يحرسه اخر حراس النور من رجال "اد".
اعتاد الجميع على الظلام الا القليل ممن ظل يؤمن بمملكة "اد" ويحفظ عهده .. كانوا يذهبون الى المعبد متجاوزين الظلام لكي يحصلوا على قبس نور يمنحه اليهم الحارس لينير لهم الطريق وسط الظلام السائد.
كان حراس الظلام من جيش "لوبا" يتربصون بكل قبس نور يحمله كف ... وبأمر "لوبا " كل من يحمل النور يلقى به في بئر سحيق تحت القصر فإن لم ينطفئ النور في الكف التي تحمله فلن يرى أحد على السطح نورا .. هذا ان ظل من يحمل النور حيا في البئر السحيق الجاف.. وما ان كان " لوبا " يطفئ بقعة نور حتى يظهر نورا في بقعة أخرى الى ان كان القرار الأعظم لـ "لوبا" وهو ابادة المعبد ذاته .. ورغم محاولاته العديدة للوصول اليه من قبل بجيوشه الا ان كل المحاولات باءت بالفشل .. فكل جيوشه لم يستطع احد فيها تحمل هذا القدر من النور الذي يخرج من المعبد .. حتى ان احد من جنده لم يستطع ولو حتى أن يرى الحارس الذي يقف ثابتا يمسك في يده عصا على رأسها كرة النور.
هذه المرة جهز " لوبا " اثنى عشر فارسا .. جهزهم على مدار السنوات الطويلة لهدف واحد ".
وكما انتظر السنوات الطويلة حتى يصل الى العرش ... انتظر حتى يصير حارس المعبد كهلا وتصير يده واهنة لا تتحمل ثقل عصاه فتسقط
وها قد صار الحارس كهلا ينتظر رفقة " اد " في كل لحظة ولكنه لم يكن ينتظر قدوم الأثنى عشر فارسا في نفس اللحظة التي يفارق فيها المعبد بل ويفارق الجميع والمملكة والحياة بأسرها، تلك اللحظة التي يقترب فيها فرسان لوبا " وفي مقدمتهم "لوبا " نفسه .. اللحظة التي انتظرها طويلا ... لحظة سقوط العصا التي بدأت تفارق يد الحارس الأخير ... اقترب "لوبا " بفرسانه اكثر في هدوء وثقة في النصر .. رحل الحارس الأخير تاركا العصا لتسقط ارضا ... ولكن قبل سقوطها امسكت بها يد قوية وعلى نور الكرة اعلى العصا ظهر وجه يعرفه " لوبا " جيدا .. وجه يملاءه الغضب وتجرى فيه دماءا قديمة، ظن "لوبا " انها انقطعت إلى الأبد . ظهر وجه فيه ملامح الخليفة الباقي رغم الجريمة الأولى في المملكة.. الجريمة التي كانت نفسها سببا في عودته طلبا للغفران ؟؟ وان كان "لوبا" هو ناصحه القديم ودليله إلى العرش، فهو الآن عدوه الأوحد.
توقف "لوبا" بفرسانه عن التقدم وازداد توهج النور على رأس العصا وتقدم "لت" بخطوات ثابتة قوية غاضبة في اتجاه "لوبا" وفرسانه.
لم يحتاج "لوبا" سببا لينطلق تاركا خلفه فرسانه في معركة خاسرة امام صاحب القصر والمملكة وحارس معبدها الجديد ... ورغم الظلام السائد كانت هناك خطوات ثابتة في طريقها إلى العرش تحمل النور وتنير في طريقها كل ما تمر به لتعيد المملكة القديمة إلى الحياة.
تمت
بقلم



0 تعليقات