من كتاب حين كان الحكم عبادة تأليف خالد البنا

 

من كتاب حين كان الحكم عبادة 




تأليف خالد البنا 


الوحدة الثامنة


كيف أصبح الحكم عبادة — من السلطة إلى الأمانة


من فتح مكة حتى استشهاد سيدنا عثمان بن عفان 


1


قبل الإسلام، كان الحكم في أغلب حضارات الأرض امتلاكًا..


امتلاك أرض، وامتلاك بشر، وامتلاك قرار.


الحاكم يجلس أعلى من الناس، لا بينهم،


ويُنظر إليه ككائن استثنائي، لا يُسأل ولا يُحاسَب.


جاء هذا النموذج الجديد ليقلب المعادلة..


الحكم لم يعد امتلاكًا، بل تكليفًا.


ولم يعد امتيازًا، بل عبئًا أخلاقيًا.


2


أخطر ما فعله هذا النموذج أنه جرّد السلطة من قدسيتها الزائفة،


وألبسها قدسية مختلفة..


قدسية المسؤولية، لا قدسية الدم أو النسب أو القوة.


لم يعد الحاكم ظل الله لأنه قوي،


بل لأنه محاسب.


3


في هذا النموذج، لم يكن الحاكم معصومًا،


ولا مُهابًا لأنه يخيف،


بل محترمًا لأنه يخدم.


يجلس بين الناس،


يسمع شكواهم،


ويقف خصمًا وحكمًا في الوقت نفسه،


ويقبل أن يُخطئ… ثم يُصلح.


4


هنا تحوّل الحكم إلى عبادة يومية..


– عدل في القضاء


– أمانة في المال


– رحمة في القرار


– تواضع في السلطة


لم تعد العبادة محصورة في المسجد،


بل امتدت إلى السوق،


وإلى ديوان الحكم،


وإلى قرار الحرب والسلم.


5


السلطة لم تُستخدم لتكميم الأفواه،


ولا لتقديس الحاكم،


ولا لتوريث النفوذ.


بل كانت تُستخدم لضبط الفوضى،


وحماية الضعيف،


ومنع القوي من أن يتحول إلى طاغية.


6


اللافت أن هذا النموذج لم يحتاج إلى أجهزة قمع هائلة،


ولا إلى سجون مكتظة،


ولا إلى دعاية ليلية نهارية.


لأن الشرعية لم تكن مفروضة بالقوة،


بل نابعة من شعور الناس أن الحكم يعمل لأجلهم، لا عليهم.


7


ومن هنا نفهم لماذا كان الحاكم فقيرًا:


ليس فقر عجز،


بل فقر اختيار.


لأن الغنى في هذا النموذج لم يكن في المال،


بل في النزاهة،


وفي القدرة على النوم مطمئنًا لأن أحدًا لم يُظلم.


8


الخطورة الحقيقية في هذا النموذج أنه غير قابل للاستنساخ بسهولة.


لأنه لا يقوم على القوانين فقط،


بل على الإنسان الذي يطبقها.


ولهذا السبب، تكرر نادرًا في التاريخ،


ولم يظهر مرة أخرى كاملًا


إلا في فترات قصيرة،


حين تلاقى الحاكم الصالح مع مجتمع يقبل العدل.


9


هذا هو السر الذي يجعل هذه المرحلة وهجًا حضاريًا:


أن الحكم لم يكن مجرد إدارة دولة،


بل مشروع أخلاقي.


الدولة لم تكن آلة،


بل كيانًا حيًا،


يتنفس العدل، ويختنق بالظلم.


10


وهنا يبدأ السؤال المؤلم..


لماذا لم يتكرر هذا النموذج


ولماذا تحوّل الحكم مرة أخرى إلى صراع على السلطة،


لا إلى عبادة


هذا السؤال لن نُجيب عنه بالعاطفة،


بل بالتاريخ،


وهو ما تقودنا إليه الوحدات القادمة.

إرسال تعليق

0 تعليقات