حين ينهض الفرد تنهض الأمة
بقلم خالد البنا 🇪🇬
إنّ بعض المفكرين الاشتراكيين رأوا أن حركة التاريخ لا تقوم إلا على صراع الطبقات؛ طبقة دنيا تثور على طبقة عليا، فتتحرك عجلة الزمن بدافع الفقر والقهر، لا بدافع الوعي والإرادة. وهكذا جعلوا التاريخ مسرحًا لصراعٍ أعمى، وقلّلوا من شأن الإنسان المفرد، كأنّ دوره مجرد رقم في معادلة اجتماعية لا قلب لها.
غير أنّ هذا التصوّر، مهما بدا براقًا في الكتب، لا يصمد أمام حقائق التاريخ الحية. فالأمم لم تنهض يومًا باندفاع الجموع وحدها، ولا بدافع الغضب العميان، بل نهضت يوم تقدّم رجل — رجل واحد — يحمل رؤية أعمق من طبقته، وأسمى من حدود نشأته، ويؤمن بأن العدل ليس معركة بين فقير وغني، بل رسالة يحملها ضمير شريف.
لقد شهد التاريخ الحديث رجالًا خرجوا من بين الناس، ولكنهم لم يكونوا أسرى طبقة ولا خدامًا لفكرة مسبقة. رأينا هوجو تشافيز في فنزويلا يخوض معركة العدالة الاجتماعية بوصفها مسؤولية أخلاقية، لا حقدًا طبقيًا. ورأينا تشي جيفارا في كوبا يقاتل من أجل إنسان حر، لا طبقة منتصرة. ورأينا لولا دي سيلفا في البرازيل يصنع معجزة اقتصادية خرجت من قلب مصنع فقير لا من نظرية صراع. ورأينا جمال عبد الناصر في مصر يشعل مشروعًا قوميًّا استند إلى كرامة الإنسان قبل أي شيء آخر.
هؤلاء لم يصنعهم الصراع، بل صنعتهم الرسالة. لم يولدوا من رحم الفوضى، بل من رحم الحلم. كانوا أطفالًا فقراء رأوا الظلم مبكرًا، فكبروا وأحلامهم تكبر معهم؛ لا ليأخذوا حقًا شخصيًّا، بل ليقيموا ميزان العدل لأمّة بأكملها.
ولو كان صراع الطبقات هو الذي يصنع التاريخ، لما احتاجت الأمم إلى قادة. ولكن الذي يحدث حين تتحرك الجموع بلا فكر هو الفوضى، وحين يقود الفقراء قائد جاهل يوردهم موارد الهلاك، تكون الكارثة أشد من الظلم الذي ثاروا عليه.
إنّ نهضة الأمم ليست صناعة طبقات، بل صناعة رجال. رجل واحد إذا صحّت رؤيته رفع وطنه، وإذا غاب أو ضلّ أضاع أمّة بأكملها. فالتاريخ لا يتحرك بالصراع، بل بالوعي الذي يقوده قائد؛ قائد يرى أبعد من زمانه، ويحمل ضمير شعبه على كتفيه، ويجعل العدالة مشروعًا لا شعارًا.
وهكذا تبقى الحقيقة كالضوء:
حين ينهض الفرد… تنهض الأمة.

0 تعليقات